العرفان ومبدأ (أحبك يا نافعي):

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:29 ص

حب الذات هو الغريزة الوحيدة التي لا نعرف غريزة أعم منها وأقدم, فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعبها, بما فيها غريزة المعيشة. فإن حب الإنسان ذاته -الذي يعني بحبه للذة والسعادة لنفسه, وبغضه للألم والشقاء لذاته- هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته, وتوفير حاجاته الغذائية والمادية. ولذا  أحيانا قد يضع الإنسان حداً لحياته بالانتحار إذا وجد أن تحمل ألم الموت أسهل عليه من تحمل الآلام التي تزخر بها الحياة.

فالواقع الطبيعي الحقيقي إذن, الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلها ويوجهها بإصبعه هو  حب الذات الذي نعبر عنه بـ(حب اللذة وبغض الألم). ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمل (مختارا) مرارة الألم دون شيء من اللذة, إلاّ إذا سلبت منه إنسانيته وأعطي طبيعة جديدة لا تعشق اللذة ولا تكره الألم.

وحتى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع عن تاريخه.. تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوة المحركة الرئيسية: (غريزة حب الذات). فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه, وقد يضحي في سبيل بعض المثل أو القيم.. ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن تضحيته وإيثاره.

وهكذا يمكن أن نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة, في مجالات الأنانية والإيثار على حدٍ سواء. ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة: مادية؛ كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادية.. أو معنوي؛ كالالتذاذ الخلقي والعاطفي, بقيم خلقية أو تأليف روحي أو عقيدة معينه, حين يجد الإنسان أن تلك  القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزء من كيانه الخاص. وهذه الاستعدادات التي تهيئ الإنسان للالتذاذ  بتلك المتع المتنوعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص, وتتفاوت في مدى فعليتها, باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثر فيه.

فبينما نجد أن بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية, كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلا, نجد ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان, وتظل تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتحها. وغريزة حب الذات من وراء هذه الاستعدادات . فهي تدفع إنسانا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع, وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه. لأن استعداد الإنسان الأول للالتذاذ بالقيم الخلقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كامنا ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته. بينما يظفر الآخر بهذا اللون من التربية, فاصبح يلتذ بالقيم الخلقية والعاطفية ويضحي بسائر لذاته في سبيلها.

فمتى أردنا أن نغير من سلوك الإنسان شيئاً يجب أن نغير من مفهوم اللذة والمنفعة عنده, وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العام لغريزة حب الذات.

فإذا كانت غريزة حب الذات بهذه المكانة من دنيا الإنسان, وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادية محدودة, وكانت اللذة عبارة عما تهيئه المادة من متع ومسرات.. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأن مجال كسبه محدود, وأن شوطه قصير, وأن غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذة المادية. وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادية وهو (المال) الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كل أغراضه وشهواته.

هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادية للوصول إلى تحقيق هدف الإنسان في هذه الحياة..

إذن فالخطر على الإنسانية يكمن كله في تلك المفاهيم المادية وما ينبثق عنها من مقاييس للأهداف والأعمال, من دون تطوير جديد للذهنية الإنسانية التي من شأنها أن توصل إلى الكرامة الإنسانية 1.

فنحن أمام سبيلان لمعالجة هذه المشكلة ودفع الخطر الذي يهدد الوجود الإنساني, للوصول إلى وضع الخطى الأولى في طريق الإنسان الكامل الذي ننشده ونهدف إليه بغية تحقيق الغاية من الخلق:

أحدهما: أن يبدل الإنسان غير الإنسان, أو تُخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحي بمصالحه الخاصة ومكاسب حياته المادية المحدودة.. في سبيل المجتمع والمصلحة العامة.

والسبيل الآخر: هو أن يطور المفهوم المادي للإنسان عن الحياة, وبتطويره تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها, وتتحقق المعجزة حينئذ من أيسر الطرق.

والسبيل الأول لا يتم (مع إيمان الإنسان بأنه لا قيم إلاّ قيم تلك المصالح المادية, ولا مكاسب إلاّ مكاسب هذه الحياة المحدودة) إلاّ إذا انتزع من صميم طبيعة حب الذات المرتكزة فيه خلقة وتكوينا. وبيان ذلك يخرج بنا بعيدا عما نريد إثباته.

فالسبيل الثاني فهو الذي سلكه الإسلام, إيمانا منه بأن الحل الوحيد للمشكلة هو (تطوير المفهوم المادي للإنسان عن الحياة). فلم يبتدر إلى مبدأ (حب الذات والملكية الخاصة) ليبطله, وإنما غزا المفهوم المادي للحياة ووضع للحياة مفهوما جديدا, وأقام على أساس ذلك المفهوم نظاما يثبت للفرد كرامته المادية والمعنوية مع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العرفان والفكر الإسلامي

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:13 ص

العرفان والفكر الإسلامي

للعرفان بقسميه العملي والنظري علاقات متينة بالإسلام، فالإسلام ـ كأي دين آخر، وأكثر من أي دين آخر ـ قد بين علاقات الإنسان بربه وبالعالم وبنفسه، وفسر الوجود ككل.

وهنا سؤال يطرح نفسه، هو: ما النسبة بين ما بينه الإسلام وما عرضه العرفان؟.

 من المؤكد أن العرفاء المسلمين لا يدعون أن لهم كلاماً وراء كلام الإسلام، ويتبرءون من مثل هذه النسبة بشدة، بل يدعون أنهم اكتشفوا الحقائق الإسلامية أحسن من غيرهم وانهم هم المسلمون الحقيقيون، ويستند العرفاء سواء في القسم العملي أو النظري إلى الكتاب والسنة وسيرة النبي والأئمة وأكابر الصحابة.

ولغيرهم آراء بشأنهم نذكرها على التوالي:

أ- نظرية جماعة من المحدثين والفقهاء الإسلاميين: هؤلاء يعتقدون بأن العرفاء ليسوا متقيّدين بالإسلام، وان استنادهم إلى الكتاب والسنة ليس إلاّ خداعاً للعوام وجلباً لقلوب المسلمين، وان لا علاقة للعرفان أساساً بالإسلام.

ب- نظرية جماعة من مثقفي العصر الحاضر: هؤلاء الذين لا علاقة لهم بالإسلام ويتقبلون كل ما يستشمّ منه رائحة "الإباحية" وما يمكن أن يوصف بأنه مقاومة أمام المقررات الإسلامية، هؤلاء أيضاً كالسابقين يعتقدون بان العرفاء لا إيمان لهم بالإسلام، بل أن العرفان والتصوف إنما هما وجهان لنهضة الأمم غير العربية أمام الإسلام والعرب تحت ستار من المعنوية والروحانية. وهؤلاء يتَّحدون مع الفرقة الأولى في أن العرفان يخالف الإسلام ويضاده، وإنما يختلفون في أن الفرقة الأولى تقدس الإسلام، وهم يحتقرون العرفاء بالاستناد إلى الاحساسات والعواطف الإسلامية العامة، ويحاولون إخراج العرفان بهذه الطريقة عن المعارف الإسلامية، بينما الفرقة الثانية تسعى لتجد من شخصية العرفاء ـ الذين يتمتع بعضهم بشخصية عالمية ـ وسيلة للدعاية ضد العرب والإسلام، هؤلاء يقولون إن استناد العرفاء إلى الكتاب والسنة إنما كان عن تقية من العوام وحفظاً لنفوسهم.

ج- نظرية المحايدين: بإمكاننا أن نجد في العرفان والتصوف، ولا سيما في العرفان العملي وبالأخص فيما يجد جانباً عملياً للفرقة، تحريفات ومبتدعات كثيرة لا توافق كتاب الله ولا السنة المعتبرة، إلا أن العرفاء كسائر طبقات أصحاب الثقافة الإسلامية في غاية الإخلاص للإسلام، ولم يريدوا أن ينطقوا بشيء يضاد الإسلام، من الممكن أن يكون لهم أخطاء كسائر طبقات أصحاب الثقافة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:07 ص

طرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

ونجمل هذه الطرق في ما يلي:

الطريق الأول: النظر في الآثار, قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع):  (إلَهِي‌! أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إلَی الآثَارِ؛ فَارْجِعْنِي‌ إليكَ بِكِسْوَةِ الاْنْوَارِ وَهِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ…) 6 .

 وعلى‌ العموم‌، فهذا النوع‌ من‌ معرفة‌ الله‌، الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ اقتفاء الأثر للوصول‌ إلی‌ المؤثّر، وبحث‌ سرّ الخلق‌ للوصول‌ إلی‌ الخالق‌ هي‌ معرفة‌ إجمالية‌ وليست‌ مفصّلة‌. معرفة‌ عن‌ بعد ومن‌ وراء حجاب‌، وليست‌ عن‌ قرب‌ وبدون‌ حجاب‌، وهي‌ معرفة‌ الضعفاء والعاجزين‌ لا معرفة‌ الرجال‌ قويّي‌ الإرادة‌ وعالي الهمة‌, ولهذا تمم الإمام الحسين عليه السلام كلامه في دعاء عرفة بقوله: (…حَتَّي‌ أَرْجِعَ إليكَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْتُ إليكَ مِنْهَا مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ إليهَا، وَمَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الاعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ إنَّكَ عَلَی كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 هذه‌ المعرفة‌، معرفة‌ البعرة‌ التي‌ تدلّ علی‌ البعير، والروثة‌ تدلّ علی‌ الحمير. أين‌ هذا من‌ المعرفة‌ بعد مجاهدة‌ طويلة‌ وعذاب‌ مرير طوال‌ عمر مديد؟!

 وكذلك‌ روي‌ عن‌ (جامع‌ الاخبار):  (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی‌ إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟!  قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).

 وفي‌ (التوحيد) للصدوق‌ …عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ قال‌: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!  قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي‌ وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي). ‌ 

 ومثل‌ هذه‌ المعرفة‌ (دلالة الأثر على المؤثر) وهي‌ التي‌ يطلق‌ عليها في‌ المنطق‌ البرهان‌ (الإنّي‌ّ) معرفة‌ من‌ المعلول‌ إلی‌ العلّة‌، من‌ المخلوق‌ إلی‌ الخالق‌، ومن‌ المصنوع‌ إلی‌ الصانع‌ هي ناقصة وغير وتامة ولا تؤدي إلى المطلوب.

 سُئِلَتْ عجوز: كيف‌ عرفتِ الله‌؟ أجابت‌: من‌ آلة‌ النسيج‌ هذه‌، فعندما أمسك‌ مقبضها وأدوّره‌ بهذا الدوران‌ ينسج‌ الحبل‌، وحيث‌ أرفعُ يدي‌ وأتوقف‌ عن‌ التدوير تتوقّف‌ ويبقي‌ الصوف‌ والقطن‌ علی‌ حاله‌، عندها لا نسيج‌ ينسج‌، ولا ليف‌ يبرم‌.

 من‌ هنا أيقنت‌ أنّ للأفلاك والنجوم‌ والكواكب‌ السيّارة‌ والشمس‌ والقمر والأرض ونظام‌ الخلق‌ بأجمعه‌ خالقاً مقتدراً، متى‌ شاء عطّل‌ الوجود ورماه‌ في‌ هوّة‌ العدم‌. وإن‌ شاء أمدّه‌ بأسباب‌ الحياة‌ وأدار عجلة‌ استمراره‌.

 ولهذا قيل‌: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ)  ولكن‌ مهما يكن‌ من‌ أمر، عليك‌ أن‌ لا تنسي‌ بأنّك‌ كائن ذو  ‌ إرادة‌ قوية عالية، فإذا اقتصرت‌ علی‌ دين‌ العجائز كان‌ مصيرك‌ الحزن‌ والندامة‌ في‌ الحياة‌ الدنيا، والحسرة‌ والخذلان‌ في‌ الآخرة‌.

الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي  (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها, وهو الذي سمّاه الرسول الأكرم بـ(الجهاد الأكبر).

وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).

وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب[2] مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي ظاهره، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية هي باطنه،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية هي حقيقته. وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) .

عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية. وإن لجأ إلى السير والسلوك دون النظر في الآيات فسوف لن يصل إلى ما يرجوه الحق منه ولا يقدر على التواصل ين الخلق فـ(زكاة العلم إنفاقه) وسوف لن يكون علما نامياً بل قد لا ينفع به إلاّ نفسه, بل حتى نفسه لا تصل إلى الكمال به لقصورة ومحدوديته. وأما إن جمع بين طريق النظر الفكري والجهاد النفسي فسيستوجب كمال العرفان النظري والعملي معاً, وسيتهيأ إلى خلق الاستعداد لبلوغ مراتب العرفاء الكمّل والأولياء النافين لأنفسهم ولغيرهم من خلق الله وعياله.

 

إن الشرط الأول في السير إلى الله هو (الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية) فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت فعلاً حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك .

فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, ولم يصطحب معه في هذا الخروج العلقة الدنيوية والتعيّنات, ويتحقق له السفر إلى الله سبحانه, يتجلى له الحق المتعالي قبل كل شيء على قلبه المقدس بالألوهية ومقام ظهور الأسماء والصفات, ويكون هذا التجلي أيضاً مرتباً ومنظماً, حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحيطة حسب شدّة السير وضعفه وحسب قوة قلب السالك وضعفه على التفصيل الذي لا يستوعبه هذا الكتاب, حتى ينتهي إلى رفض كل تعينات عالم الوجود سواء كانت تعينات تعود إلى نفسه أو تعينات راجعة إلى غيره والتي تعتبر ـ أي هذه التعينات الغيرية ـ في المنازل والمراحل التالية من التعينات العائدة إلى نفسه أيضاً وبعد الفرض المطلق يتم التجلي بالألوهية, ومقام الله الذي هو مقام أحدية جمع ظهور الأسماء, وتظهر (اعرفوا الله بالله) في مرتبتها الأولية النازلة.

(ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة, يفنى في هذا التجلي, فإذا وسعته العناية الأزلية, لحصل للعارف الفاني في هذا التجلّي, إستيناساً, ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر, واستفاق, فلم يقتنع بهذا المقام, ويستمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق, ويكون الحق المتعالي في سفر العشق هذا مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر, وتتمّ خطواته في أنوار التجلّي, فيسمع هاتفاً يقول له " تقدّم" ويستمر في التقدم إلى أن تتجلّى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة, الأسماء والصفات في مقام الواحديّة, حتى يبلغ مقام الأحدية. ومقام الأحدية الاسم الأعظم الذي هو اسم الله, فيتحقق في هذا المقام " إعرفوا الله بالله" في مرتبة عالية, ويوجد أيضاً بعد هذا المقام, مقام آخر لا مجال لذكره فعلاً)[3].

و اعلم أن العارف السالك إذا وصل إلى هذه المقامات و صفى نفسه عن رذائل الصفات و حليها بفضائل الأخلاق و استغرق وقته بذكر الله تعالى حصل له مرتبة العروج إلى الأفلاك و الارتباط مع روحانيات الملأ الأعلى و ملائكة الملكوت و سكان عالم القدس و يشرق قلبه بالأنوار الإلهية و الابتهاجات العقلانية و يشاهد ذاته و صفاته و أفعاله فانية في تجليات أنوار اللاهوت و يبقى بعد الضياء في الله باقيا بالبقاء بالله و يرى بعين العيان و نور البصيرة وجه الحق بالحق.

و بالجملة: (يحصل له بسبب ارتباطه بذلك العالم و توجهه إلى مبدأ الحق و بسبب تصفية مرآة قلبه الذي هو مرآة حقائق الأشياء و مجلاة لصورها مناسبة للعالم المعنوي بحيث ‏يتمثل في سره صور جميع الأشياء من الماديات و المجردات و إن لم  يكن لتلك المجردات بحيث ذواتها وجود حسي و لا صورة حسية لكنها يظهر و ينكشف بروحها متشكلة بأشكال المحسوسات متمثلا بمثل الماديات و يصير متجلية عليه بالصور المناسبة لمقام ذلك العارف و حاله) 2.

فمن لم يدرك أمثال ذلك و لم يصل إلى حقيقته, فلا يبادرن إلى إنكاره, فانه واقع في حيز الإمكان (كل ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان) 3 كما ورد في الأخبار المعتبرة أن جبرائيل (ع) ظهر بصورة دحية الكلبي و ساير الصور الحسية على خير

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المناهج العقلية الفلسفية وسمو منطق‌ الشهود والعرفان‌

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 15 أيار 2006 الساعة: 21:12 م

  مذهب‌ العرفان‌ والشهود أعلی‌ من‌ كل المذاهب‌ :

 إنّ هذا المذهب‌ المبني علی‌ أساس‌ الرؤية‌ القلبية‌ والمشاهدة‌ الوجدانية‌ لا يقول‌ بأن مذهب‌ الحكمة‌ و الفلسفة‌ مذهبٌ باطل‌ ، بل‌ يقول‌ بأن هذا موطن‌ آخر ومقام‌ مختلف‌, آلته الذهن البشري.. وأما العرفان فمقامٌ أعلی‌ وأسمى‌ ‌ يمثل‌ فيه‌ القلب‌ العلوم‌ ووارداته‌ .

 إن محل العلوم‌ الحاصلة‌ من‌ الفلسفة‌  هو الذهن‌ ، ومكانه‌ الدماغ‌ . وبإمكان‌ الإنسان‌ معرفة‌ الله‌ عن‌ بعد بواسطة‌ هذا المذهب‌ . فهو مثلاً يريد الوصول‌ إلی‌ حقيقة‌ الشمس‌ وهو جالس‌ علی‌ الأرض ، ويري‌ الأمواج الحاصلة‌ فيها . نعم‌ ، إنّه‌ يري‌ لكنه‌ يفعل‌ ذلك‌ وهو في‌ حالة‌ الغفلة‌ والبعد ؛ وفي‌ حالة‌ الأثر والصورة لا في‌ حالة‌ الواقع‌ والحقيقة‌ .

قال المولى سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [1]

 إن البحث‌ والدعوة‌ بالحكمة‌ معناه‌ البحث‌ علی‌ أساس‌ من‌ الحقائق‌ والواقعيات‌, والمجادلة‌ بالتي‌ هي‌ أحسن‌ تعني‌ ترتيب‌ القياسات‌ المنطقية‌ الصحيحة‌ واستخدام‌ البرهان‌ الفلسفي ، وطرح‌ الاعتباريات والمغالطات‌ وطريقة‌ الخطابة‌ وما إلی‌ ذلك‌. ولا جرم‌ أن مذهب‌ ومنهج‌ الرسول‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وأمير المؤمنين‌ وباقي‌ الأئمة صلوات‌ الله‌ وسلامه‌ عليهم‌ أجمعين‌ هو مذهب‌ برهانيّ عقليّ قويّ ، وهو مضافاً إلی‌ ذلك‌ منهاج‌ فلسفيّ عجيب‌ و غريب‌ . إنّ مَن‌ يُلقي‌ نظرة‌ علی‌ تلكم‌ الطريقة‌ ويتعرّف‌ علی‌ ذلك‌ النهج‌ يستنتج‌ في‌ الحال‌ أنّ بحوثهم‌ ومجادلتهم‌ مع‌ مناوئيهم‌ وخصومهم‌ كانت‌ كلّها تستند علی‌ أساس‌ المقدّمات‌ الفلسفيّة‌, وكانوا يُفحمون‌ المقابل‌ باستخدام‌ القوى‌ العقلية‌ والفكريّة‌ ، فكان‌ الخصم‌ يُغلَب‌ لا محالة‌ وهو كظيم‌ .

 وللإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ رئيس‌ المذهب‌ الجعفري ومؤسسه‌ ، تلاميذ كان‌ يقوم‌ بتدريبهم‌ وتربيتهم‌ علی‌ المجادلة‌ والمناقشة‌ علی‌ أساس‌ المنطق‌ و استخدام‌ الصحيح‌ من‌ الصغرى‌ والكبرى‌ عند العمل‌ بالقياس‌ في‌ مقابل‌ الكفّار والمعاندين‌ والماديين‌ وحتى المخالفين‌ من‌ العامّة‌ .

 وهشام‌ بن‌ الحكم‌ كان‌ أحد العارفين‌ بالمذاهب‌ والفلسفة‌ . لكنا نراه‌ منقاداً وخاضعاً في‌ مقابل‌ الإمام‌ الصادق‌ ومطيعاً له‌ ، وكان‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بالمقابل‌ يقوم‌ بتعزيز وتشييد أسسه‌ وتقوية‌ مقدرته‌ بنفس‌ البرهان‌ المنطقي‌ّ ذاك‌ .

 وكذا كانت‌ مباحثات‌ ومناقشات‌ الإمام‌ الرضا عليه‌ السلام‌ مع‌ العلماء غير المسلمين‌ ، ومع‌ المسلمين‌ العاميّي‌ المسلك‌ علی‌ السواء ، كلّها تستند إلی‌ البرهان‌ والعقل‌ ؛ ولم‌ يكن‌ يقول‌ لهم‌ : إنّ قلبك‌ يؤمن‌ بوجود الله‌ ، فلا حاجة‌ إلی‌ البحث‌ في‌ ذلك‌ معك‌ !

 هل‌ سمع‌ أحدكم‌ أو قرأ أنّ نبيّاً أو إماماً أحال‌ المشركين‌ أو علماءهم‌ إلی‌ العلم‌ الوجدانيّ والشهودي قائلاً لهم‌ : بما أ نّني‌ أعلَمُ أنّ الله‌ موجود وإنّني‌ نبيّه‌ ورسوله‌ ، فعليك‌ أنت‌ كذلك‌ أن‌ تؤمن‌ بذلك‌ وتقبله‌ … ! هذا يسمّي‌ تحكيماً ؛ والتحكيم‌ مردود ومرفوض‌ في‌ أيّ مذهب‌ ومدرسة‌ لاهوتيّة‌ ، بل‌ حتى بين‌ الشعوب‌ المتوحّشة‌ . في‌ حين‌ نري‌ أنّ أيّ أمر أو مسألة‌ تكون‌ مقبولة‌ وصحيحة‌ إذا كانت‌ ناتجة‌ عن‌ البرهان‌ والمنطق‌ .

 لقد كانت‌ سلسلة‌ الدروس‌ التي‌ كان‌ يُلقيها الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ خلال‌ فترة‌ ثلاثين‌ سنة‌ من‌ نشرٍ للعلوم‌ ودرس‌ وتعلیم‌ وتربية‌ في‌ مدينة‌ رسول‌ الله‌ في‌ بستانه‌ الخاصّ تستند كلّها إلی‌ البراهين‌ المنطقيّة‌ والأدلة العقليّة‌ والمسلّمات‌ ومسائل‌ الحكمة‌ التوحيديّة‌, مما حدا مثلاً بابن‌ أبي‌ العوجاء ، وهو أحد المؤمنين‌ بالمذهب‌ المادّيّ والطبيعي‌ّ ، إلی‌ القول‌ : (إنّي‌ لا أملك‌ إلاّ أن‌ أكون‌ خاضعاً خاشعاً في‌ دروس‌ هذا الرجل‌ ، ولا أستطيع‌ التكلّم‌ ببنت‌ شفة‌ وأنا أستمعُ دروسه‌ ، وأراني‌ عاجزاً عن‌ التقدّم‌  في‌ حُجّتي‌ ومجادلتي‌ خطوة‌ واحدة‌ . فلو كان‌ للإنسان‌ وجود لانحصر في‌ هذا الرجل‌ ؛ ولكان‌ جميع‌ مَن‌ سواه‌ في‌ عداد الانعام‌)!

 وبالطبع‌ فإنّ وجود مثل‌ هذا المذهب‌ لازم‌ وضروري‌ّ ؛ والمطلوب‌ من‌ جميع‌ علماء الإسلام‌ التسلّح‌ بهذا البرهان‌ القويّ والمنطق‌ الحقّ والحكمة‌ الإلهيّة‌ والفلسفة‌ المتعالية وأن‌ يبرعوا في‌ استخدام‌ كلّ ذلك‌ ، حتى يتسنى لهم‌ الإجابة‌ علی‌ شبهات‌ الملحدين‌ والضالين والماديين‌ والسوفسطائيّين‌ في‌ عصرنا الحاضر ، ويثبتوا في‌ مقابل‌ الفِرَق‌ الأخرى ويصمدوا في‌ وجوهها .

لكنّ الأمر هنا يتعلّق‌ بمسألة‌ مهمّة‌ ، وهي‌ : هل‌ يكون‌ هذا المذهب‌ أو المنهج‌ كافٍ ووافٍ أم‌ لا ؟! هل‌ بإمكان‌ الإنسان‌ أن‌ يُؤنس‌ قلبه‌ ويُبهج‌ فؤاده‌ بذكر الله‌ وأنسه‌ والتعرّف‌ علی‌ أسمائه‌ وصفاته‌ ويتلمّسها عن‌ قُرب‌ ؟!

 هل‌ تَعلّم‌ الفلسفة‌ وحدها يُطمئن‌ القلوب‌ ويُهدّئها ؟! هل‌ بإمكان‌ العلوم‌ العقليّة‌ والتفكيرية تَهدِئَة‌ النفس‌ ومنحها الخضوع‌ والخشوع‌ الوجدانيّينِ أمام‌ الحقّ والحقانيات والواقعيّات‌ وعالَم‌ الخَلق‌ وصرح‌ الأصالة البهي‌ّ ، دون‌ الاستعانة‌ بالفيوضات‌ القلبيّة‌ الربّانيّة‌ ، أم‌ لا ؟!  ولا شكّ في‌ أنّ الإنسان‌ ما كان‌ ليؤدّي‌ العبادة‌ لله‌ لولا كونه‌ في‌ مقام‌ العبوديّة‌ .

إذن‌ ، هل‌ يكفي‌ أن‌ يكون‌ الإنسان‌ قد توصّل‌ إلی‌ إثبات‌ وجود الله‌ تعالى بالمذهب‌ الفلسفي‌ّ والبرهان‌ ، وإن‌ كان‌ فاسقاً فاجراً يُعاقر الخمر ويتعاطى‌ القمار والميسر ؟!

 لقد كان‌ كثير من‌ العلماء الإنجليز موحّدين‌ ، يعبدون‌ الله‌ تعالى ؛ فداروين‌ كان‌ ممن‌ يعبدون‌ الله‌ ومن‌ المؤمنين‌ بالمسيح‌ علی‌ نبيّنا وآله‌ وعليه‌ السلام‌ ؛ وفلاماريون‌ العالِم‌ الفرنسي‌ّ كذلك‌ كان‌ من‌ أهل‌ الكتاب‌ ، وممّن‌ أ لّف‌ كتاباً أسماه‌ (الله‌ في‌ الطبيعة‌) حيث‌ يقوم‌ بإثبات‌ وجود الله‌ علی‌ أساس‌ خمسة‌ أدلّة‌ من‌ الأصول المُسلّمة‌ للعلوم‌ المادية‌ ؛ فهل‌ يكون‌ هذا النوع‌ من‌ النهج‌ والاعتقاد وهذا النمط‌ من‌ الإثبات‌ كافٍ أم‌ لا ؟!

 هل‌ بإمكان‌ المناهج‌ المذكورة‌ والطرق‌ المُبيّنة‌ أعلاه‌ إظهار الله‌ عبرَ المرحلة‌ العينيّة‌ أم‌ لا؟! هل‌ باستطاعتها إبداء الحقّ تعالى شأنه‌ كما هو مطلوب‌ منها أن‌ تبديه‌ ، ثمّ بالتالي إيجاد علاقة‌ بين‌ الإنسان‌ وحضرة‌ جلاله‌ ، أم‌ هي‌ عاجزة‌ عن‌ ذلك‌ كلّه‌ ؟!

 ومهما يكن‌ من‌ أمر ، فإنّ المسألة‌ هنا ، كما قلنا ، تتعلّق‌ بالسؤال‌ التالي : هل‌ يكون‌ هذا المذهب‌ أو المنهج‌ كافٍ ووافٍ أم‌ لا ؟!

 إنّ المذهب‌ الذي‌ سلكه‌ الأنبياء والأولياء والأئمّة‌ عليهم‌ السلام‌ مذهب‌ تفوق‌ مرتبته‌ هذه‌ المرتبة‌ وترقي‌ عليها ، والأكثر انسجاماً واطمئناناً ؛ ألا وهو مذهب‌ الشهود .

 إنّ ذلك‌ النمط‌ من‌ السير والتحرّك‌ نحو معرفة‌ الحقّ تعالى ينطق‌ قائلاً : إنّ هناك‌ حاسّةً أُخرى‌ أرقى من‌ أذهاننا وأسمي‌ من‌ القوى‌ المفكّرة‌ لأي إنسان‌ مُفكِّر ؛ أنا شخصيّاً لا أعلم‌ ما تُسمّونها ؛ ربّما الحاسّة‌ السادسة‌ أو غير ذلك‌ ! ما أُريد قوله‌ ، هو أ نّه‌ توجد حاسّة‌ أُخرى‌ في‌ الإنسان‌ هي‌ الوجدان‌ ، ويدعونه‌ بالقلب‌ والفؤاد أو الضمير . قولوا عنه‌ ما شئتم‌؛ علی‌ الإنسان‌ أن‌ يدرك‌ الله‌ بتلك‌ الحاسّة‌ [2] .

 توجد هذه‌ الحاسّة‌ في‌ جميع‌ أفراد البشر وهي‌ حاسّة‌ قويّة‌ وفعّالة‌ جداً,  لكن الابتلاء بالماديات‌ والجري‌ وراء الآمال‌ الخسيسة‌ والدنيئة‌ والبهيميّة‌ والشيطانيّة‌ ، والغوص‌ في‌ الخيالات‌ والاهتمام‌ بأوهام‌ عالَم‌ الاعتبار والكثرات‌ ، كلّ تلك‌ أضحت‌ حُجُباً غَطّت‌ تلك‌ الحاسّة‌ بالكامل‌ ، وأدّت‌ إلی‌ إضعافها وخنقها .

 وهنا يكمن‌ السبب‌ في‌ عجز الإنسان‌ عن‌ الاستفادة‌ من‌ تلك‌ الحاسّة‌ ؛ فلو سلك‌ طريق‌ العبوديّة‌ الحقة‌ فإن وصوله‌ به‌ سيكون‌ سهلاً يسيراً .

 إن أي نبي بُعث كان‌ يقول‌ : أيُّها الناس‌ ! اتَّقُوا اللَهَ وَأَطِيعُونِ . وقد وردت‌ هذه‌ العبارة‌ علی‌ لسان‌ عدّة‌ من‌ الأنبياء في‌ سورة‌ الشعراء حيث‌ كان‌ كلّ واحد منهم‌ يقول‌ : فَاتَّقُوا اللَهَ وَأَطِيعُونِ .

 أي‌ : افعلوا كلّ ما آمُركم‌ به‌ ، وانتهوا عن‌ كلّ فعلٍ أنهاكم‌ عنه‌ ، حتى يتولاكم الله‌ برحمته‌ ويغفر لكم‌ خطاياكم‌ ! أقيموا الصلاة‌ ! آتوا الزكاة‌ ! صوموا ! آمروا بالمعروف‌ وانهوا عن‌ المنكر ! اثبتوا في‌ البأساء والضرّاء ! حِجّوا بيت‌ الله‌ الحرام‌ ! جاهدوا ! افعلوا كذا وكذا ! قوموا في‌ ليالي الشتاء القارص‌ وأدّوا النوافل‌ ! صوموا صياماً مستحبّاً في‌ أيّام‌ الصيف‌ القائظ‌ !

 هذا هو الطريق‌ ! طريق‌ الجهاد مع‌ النفس‌ ! طريق‌ اكتساب‌ مرضاة‌ الله‌ تعالى ومحاربة‌ النفس‌ البهيميّة‌ ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb