الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

كتبهاالشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:07 ص

طرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

ونجمل هذه الطرق في ما يلي:

الطريق الأول: النظر في الآثار, قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع):  (إلَهِي‌! أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إلَی الآثَارِ؛ فَارْجِعْنِي‌ إليكَ بِكِسْوَةِ الاْنْوَارِ وَهِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ…) 6 .

 وعلى‌ العموم‌، فهذا النوع‌ من‌ معرفة‌ الله‌، الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ اقتفاء الأثر للوصول‌ إلی‌ المؤثّر، وبحث‌ سرّ الخلق‌ للوصول‌ إلی‌ الخالق‌ هي‌ معرفة‌ إجمالية‌ وليست‌ مفصّلة‌. معرفة‌ عن‌ بعد ومن‌ وراء حجاب‌، وليست‌ عن‌ قرب‌ وبدون‌ حجاب‌، وهي‌ معرفة‌ الضعفاء والعاجزين‌ لا معرفة‌ الرجال‌ قويّي‌ الإرادة‌ وعالي الهمة‌, ولهذا تمم الإمام الحسين عليه السلام كلامه في دعاء عرفة بقوله: (…حَتَّي‌ أَرْجِعَ إليكَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْتُ إليكَ مِنْهَا مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ إليهَا، وَمَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الاعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ إنَّكَ عَلَی كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 هذه‌ المعرفة‌، معرفة‌ البعرة‌ التي‌ تدلّ علی‌ البعير، والروثة‌ تدلّ علی‌ الحمير. أين‌ هذا من‌ المعرفة‌ بعد مجاهدة‌ طويلة‌ وعذاب‌ مرير طوال‌ عمر مديد؟!

 وكذلك‌ روي‌ عن‌ (جامع‌ الاخبار):  (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی‌ إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟!  قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).

 وفي‌ (التوحيد) للصدوق‌ …عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ قال‌: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!  قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي‌ وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي). ‌ 

 ومثل‌ هذه‌ المعرفة‌ (دلالة الأثر على المؤثر) وهي‌ التي‌ يطلق‌ عليها في‌ المنطق‌ البرهان‌ (الإنّي‌ّ) معرفة‌ من‌ المعلول‌ إلی‌ العلّة‌، من‌ المخلوق‌ إلی‌ الخالق‌، ومن‌ المصنوع‌ إلی‌ الصانع‌ هي ناقصة وغير وتامة ولا تؤدي إلى المطلوب.

 سُئِلَتْ عجوز: كيف‌ عرفتِ الله‌؟ أجابت‌: من‌ آلة‌ النسيج‌ هذه‌، فعندما أمسك‌ مقبضها وأدوّره‌ بهذا الدوران‌ ينسج‌ الحبل‌، وحيث‌ أرفعُ يدي‌ وأتوقف‌ عن‌ التدوير تتوقّف‌ ويبقي‌ الصوف‌ والقطن‌ علی‌ حاله‌، عندها لا نسيج‌ ينسج‌، ولا ليف‌ يبرم‌.

 من‌ هنا أيقنت‌ أنّ للأفلاك والنجوم‌ والكواكب‌ السيّارة‌ والشمس‌ والقمر والأرض ونظام‌ الخلق‌ بأجمعه‌ خالقاً مقتدراً، متى‌ شاء عطّل‌ الوجود ورماه‌ في‌ هوّة‌ العدم‌. وإن‌ شاء أمدّه‌ بأسباب‌ الحياة‌ وأدار عجلة‌ استمراره‌.

 ولهذا قيل‌: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ)  ولكن‌ مهما يكن‌ من‌ أمر، عليك‌ أن‌ لا تنسي‌ بأنّك‌ كائن ذو  ‌ إرادة‌ قوية عالية، فإذا اقتصرت‌ علی‌ دين‌ العجائز كان‌ مصيرك‌ الحزن‌ والندامة‌ في‌ الحياة‌ الدنيا، والحسرة‌ والخذلان‌ في‌ الآخرة‌.

الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي  (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها, وهو الذي سمّاه الرسول الأكرم بـ(الجهاد الأكبر).

وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).

وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب[2] مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي ظاهره، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية هي باطنه،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية هي حقيقته. وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) .

عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية. وإن لجأ إلى السير والسلوك دون النظر في الآيات فسوف لن يصل إلى ما يرجوه الحق منه ولا يقدر على التواصل ين الخلق فـ(زكاة العلم إنفاقه) وسوف لن يكون علما نامياً بل قد لا ينفع به إلاّ نفسه, بل حتى نفسه لا تصل إلى الكمال به لقصورة ومحدوديته. وأما إن جمع بين طريق النظر الفكري والجهاد النفسي فسيستوجب كمال العرفان النظري والعملي معاً, وسيتهيأ إلى خلق الاستعداد لبلوغ مراتب العرفاء الكمّل والأولياء النافين لأنفسهم ولغيرهم من خلق الله وعياله.

 

إن الشرط الأول في السير إلى الله هو (الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية) فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت فعلاً حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك .

فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, ولم يصطحب معه في هذا الخروج العلقة الدنيوية والتعيّنات, ويتحقق له السفر إلى الله سبحانه, يتجلى له الحق المتعالي قبل كل شيء على قلبه المقدس بالألوهية ومقام ظهور الأسماء والصفات, ويكون هذا التجلي أيضاً مرتباً ومنظماً, حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحيطة حسب شدّة السير وضعفه وحسب قوة قلب السالك وضعفه على التفصيل الذي لا يستوعبه هذا الكتاب, حتى ينتهي إلى رفض كل تعينات عالم الوجود سواء كانت تعينات تعود إلى نفسه أو تعينات راجعة إلى غيره والتي تعتبر ـ أي هذه التعينات الغيرية ـ في المنازل والمراحل التالية من التعينات العائدة إلى نفسه أيضاً وبعد الفرض المطلق يتم التجلي بالألوهية, ومقام الله الذي هو مقام أحدية جمع ظهور الأسماء, وتظهر (اعرفوا الله بالله) في مرتبتها الأولية النازلة.

(ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة, يفنى في هذا التجلي, فإذا وسعته العناية الأزلية, لحصل للعارف الفاني في هذا التجلّي, إستيناساً, ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر, واستفاق, فلم يقتنع بهذا المقام, ويستمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق, ويكون الحق المتعالي في سفر العشق هذا مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر, وتتمّ خطواته في أنوار التجلّي, فيسمع هاتفاً يقول له " تقدّم" ويستمر في التقدم إلى أن تتجلّى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة, الأسماء والصفات في مقام الواحديّة, حتى يبلغ مقام الأحدية. ومقام الأحدية الاسم الأعظم الذي هو اسم الله, فيتحقق في هذا المقام " إعرفوا الله بالله" في مرتبة عالية, ويوجد أيضاً بعد هذا المقام, مقام آخر لا مجال لذكره فعلاً)[3].

و اعلم أن العارف السالك إذا وصل إلى هذه المقامات و صفى نفسه عن رذائل الصفات و حليها بفضائل الأخلاق و استغرق وقته بذكر الله تعالى حصل له مرتبة العروج إلى الأفلاك و الارتباط مع روحانيات الملأ الأعلى و ملائكة الملكوت و سكان عالم القدس و يشرق قلبه بالأنوار الإلهية و الابتهاجات العقلانية و يشاهد ذاته و صفاته و أفعاله فانية في تجليات أنوار اللاهوت و يبقى بعد الضياء في الله باقيا بالبقاء بالله و يرى بعين العيان و نور البصيرة وجه الحق بالحق.

و بالجملة: (يحصل له بسبب ارتباطه بذلك العالم و توجهه إلى مبدأ الحق و بسبب تصفية مرآة قلبه الذي هو مرآة حقائق الأشياء و مجلاة لصورها مناسبة للعالم المعنوي بحيث ‏يتمثل في سره صور جميع الأشياء من الماديات و المجردات و إن لم  يكن لتلك المجردات بحيث ذواتها وجود حسي و لا صورة حسية لكنها يظهر و ينكشف بروحها متشكلة بأشكال المحسوسات متمثلا بمثل الماديات و يصير متجلية عليه بالصور المناسبة لمقام ذلك العارف و حاله) 2.

فمن لم يدرك أمثال ذلك و لم يصل إلى حقيقته, فلا يبادرن إلى إنكاره, فانه واقع في حيز الإمكان (كل ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان) 3 كما ورد في الأخبار المعتبرة أن جبرائيل (ع) ظهر بصورة دحية الكلبي و ساير الصور الحسية على خير البشر (ص), و ورد في الأخبار المتفرقة أن بعض الملائكة ظهر بصورة شخص على بعض الكمل من الأولياء، بل على بعض الزهاد و العباد. و إذا وصل العارف إلى هذا المقام تتجلى عليه من مبدئه و موجده تجليات ذاتية و صفاتية و أفعالية و آثارية مناسبة لحاله و مقامه, و الغالب أن يكون التجلي الآثاري أثرا متلبسا بملابس الأكوان و عالم الشهادة, فيتمثل بمثل عالم الحس من الصور الحسية و الجسمانية، و أكثره أن يكون بصورة إنسان كامل. و يسمى هذا التجلي باصطلاح القوم بـ(التجلي الصوري) وأكثر التجليات الصفاتية تكون بالتجلي بالصفات الكمالية، مثل العلم و القدرة و الإرادة وأمثالها, و أما في التجلي الذاتي فيتجلي من حضرة القدس ذات من الذوات النورية أو آية من الآيات البهية مصورة بالصور الحسية و لا سيما الصور المالوفة, فيصير العارف فيه فانيا مطلقا بحيث لا يبقى له علم و شعور بذاته و لا بصفاته و لا بشي‏ء آخر أصلا، كما قال سبحانه: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [4].

و هذه التجليات تختلف بحسب قوتها و ضعفها و صفائها و كدورتها و زيادتها و نقصانها و أوقاتها و حالاتها المختلفة بأحوال السالكين, فهذه التجليات للأنبياء و أوصيائهم عليهم السلام تكون  أعلى و أتم و أقوى و أكمل منها بالنسبة إلى غيرهم و تختلف أيضا بحسب مراتبهم العالية ولكنهم عليهم السلام قد يحتاجون في التجليات الغير الذاتية إلى توسط تلك و إن كان ذواتهم الشريفة و أرواحهم النورية أشرف من ذلك الملك, وقد أوضحوا سلام الله عليهم ذلك في كثير من المناسبات, فقد ورد عن الأمير عليه السلام أنه قال:

(أنا عندي مفاتيح الغيب لا يعلمها بعد رسول الله إلا أنا… أنا ولي الحساب, أنا صاحب الصراط والموقف, أنا قاسم الجنة والنار … أنا خازن العلم, أنا طور الحلم, أنا أمير المؤمنين, أنا عين القين, أنا حجة الله في السماوات و الأرض أنا الراجفة, أنا الصاعقة, أنا الصيحة بالحق, أنا الساعة لمن كذب بها, أنا ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه, أنا الأسماء الحسنى التي أمر أن يدعى بها, أنا ذلك النور الذي اقتبس منه الهدى…) [5]

و لهذا المقام تفصيل محرر في موضعه, و بيانه على الإجمال: أن الأنبياء والأولياء عليهم السلام لما وصلوا إلى مقام جمع الجمع وشاهدوا الكثرة في عين الوحدة وبالعكس وحصلت لهم ملكة العروج والنزول و الصعود و الهبوط على أكمل وجه بحسب مراتبهم العلية ودرجاتهم السنية صاروا مستعدين لمنصب النبوة والولاية و إرشاد الخلائق و هدايتهم.

ثم لما كان لهم كمال الارتباط و الاتصال بالعالم الإلهي العلوي فهم متنزهون عن الارتباط بالعالم السفلي و الاتصال بكثرات العالم الدنيوي, إذ قوة تجردهم بلغت‏ حدا رفع المناسبة بينهم و بين موجودات العالم الجسماني, فلا مناسبة بوجه بينهما كما لا مناسبة أصلا بين هذه الكثرات و بين موجدها الحق.

فلا جرم اقتضت العناية الإلهية و الرافة الربانية أن ينزلهم من مراتبهم العلية و مدارجهم السنية إلى العالم السفلي لإرشاد عباده و تنوير بلاده, وليس النزول هنا هو التدني في مراتب الكمال, بل هو عين الكمال (من الحق إلى الخلق بعدما طووا مقامات العروج من الخلق إلى الحق وبقائهم في الحق إلى الحق بالحق).

فان إيجاد الكائنات إنما هو بمحض الفيض و الجود, فلا يليق بالفياض الجواد أن يبخل على عباده الضالين في بيداء الجهالة والهلكة, وكان من المحال أن تحصل المناسبة بين الواجب سبحانه و هذه الكثرات و أن يحصل لكل عبد بالنسبة إلى خالقه الحقيقي قرب يوجب المناسبة بينهما بحيث ‏يصير هذا العبد مستعدا لاستفاضة من الله تعالى بلا واسطة، بل الممكن حصول هذا  القرب و هذه المناسبة بينه تعالى و بين بعض الكمل من عباده, فتتحقق واسطة الهداية ووسيلة القرب بين الحق وبين خلقه, فيكونون هم الأدلاء إلى الله وباب حضرته (يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة).

و بيان ذلك: إن قربه سبحانه بالنسبة إلى جميع عباده، بل كل مخلوقاته و إن كان على السواء, لان قربه تعالى بالنسبة إليهم إنما هو من حيث العلية و الإحاطة و الوجود و الشهود إلا أن قربهم إليه ليس على السواء, إذ قربهم إليه من حيث المعلولية والمخلوقية والارتباط والاستعداد والسلوك وحصول التجرد والتصفية, والكل وإن كانوا في القرب المترتب على المعلولية والمخلوقية والارتباط على السواء إلا أنهم مختلفون في القرب بحسب السلوك العرفاني.

فظهر أن قرب الحق إلى عباده مغائر لقربهم إليه و بينهما بون بعيد, كيف و هو أقرب إليهم من حبل الوريد  و هم من حيث ذواتهم و أنفسهم في غاية البعد من حضرته؟ ! (كيف و القرب الذي من طرق الحق سبحانه إليهم على وتيرة واحدة أزلا و أبدا لا يزيد و لا ينقص و لا يتغير، بل هو ثابت واقع من الأزل إلى الأبد و ليس مختصا بزمان و لا مكان و الكل فيه على السواء و ليس لأحد فيه مزية على الآخر؟؟!!

(و أما القرب الذي من طرق العباد فلا يحصل إلا بعد استعدادهم و سلوكهم و مجاهدتهم وسعيهم في تحصيل العلم و العمل، و تصقيل نفسهم عن الكدورات و الرذائل بمصاقيل الشريعة، و تطهيرها عن أقذار عالم الطبيعة و تصفيتها عن الهواجس النفسانية بالمجاهدات الشرعية، و تجريدها عن العلائق البشرية الحسية، و تخليصها عن العوائق البدنية الجسمية، و اتصافهم بصفات الحق و التخلق بأخلاقه، و توجههم بشراشرهم إلى قدس الجبروت، وانقطاعهم بالكلية إلى صقع الملكوت، و الإعراض عن اللذات الجسمانية و المشتهيات النفسانية، و التعود بصدق الأقوال و حسن الأفعال، و تزكية النفس عن رذائل الأخلاق و نقائص الأعمال، و التجلي بشرائف الصفات و فضائل الملكات، و الاجتناب عن الإفراط و التفريط في القول و العمل، و التزين بزينة الكرام الكمل، و الاشتغال بالطاعات الشرعية و الوظائف الدينية، و المواظبة على العبادات، و الاجتهاد في تحصيل السعادات، و المداومة على الصمت و قلة الكلام، و تقليل الأكل و الشرب و المنام، و صرف الأوقات في الذكر و الفكر و الأنس بالله تعالى) [6] إلى غير ذلك من أسباب لا تحصى.

فإن من وفقه الله لتحصيل هذه الشرائط يحصل من طرفه القرب إلى ربه تعالى و تحصل له المناسبة بينه و بين الحق, و إذا قطع مثله جميع المقامات و المراتب و حصل له الاتصال التام بالعالم العلوي.. و إن ارتفع المناسبة بينه و بين الكثرات إلا أنه تمكن حصولها بعد إنزاله عن مرتبة العلية بخلاف حصولها بين الله تعالى و بين الكثرات, فانه غير ممكن.

فالأنبياء والأولياء عليهم السلام بعد طيهم جميع المقامات و ارتباطهم بعالم القدس و اتصالهم بالعلويات و الملكوت الأعلى أنزلهم الله سبحانه تفضلا منه على عباده من معارج القدس إلى مهابط الأكوان, فصاروا متوسطين بين أوج الوجوب و حضيض الإمكان حتى يتمكنوا من الأخذ من العالم العلوي و الإيصال إلى سكان العالم السفلي بإصعادهم من حضيض عالم الناسوت إلى أوج قدس صقع الجبروت و ردعهم عن مشاركة سكان عالم الزور و إيصالهم إلى مرافقة قطان دار السرور بحسب استعداد كل شخص و قابلية كل عبد لزمرة الرسل كلتا الملكتين و الجنبتين - اعني ملكتي الصعود و الهبوط و جنبتى العروج و النزول - لكنهم لما صاروا بأمر (اهبطوا) 1  و بحكم الحق - جل شأنه - مشتغلين بمصالح العباد و متوغلين في إصلاح البلاد و مرتبطين بالعالم السفلي, فإذا حصل لهم التوجه إلى العالم العلوي مع ذلك التقيد و الارتباط و التوغل و الإيصال احتاجوا في التجليات غير الذاتية إلى توسط ملك ليس له كلتا الجبلتين و الملكتين، بل له ملكة الصعود و العروج فقط و لذلك يكون النبي محتاجا في صعوده و عروجه إلى ذلك الملك 2 مع كونه أفضل و اشرف منه بمراتب شتى وكذا إذا حصل لهم التوجه التام إلى العالم العلوي يحتاجون في هبوطهم و نزولهم إلى جذب جاذب من السفليات و قول النبي صلى الله عليه و آله وسلم لبعض أزواجه: (كلميني‏) أو (اشغلني‏) كان لهذا.

و بالجملة: لما كان للأنبياء والأولياء عليهم السلام ملكة الاتصال بكل من العالمين, فإذا حصل لهم اتصال بأحدهما لا يمكنهم الصعود و الهبوط منه إلا بإعانة واحد من أهل العالم الآخر من ملك روحاني يذكر رؤيته العالم العلوي و يشوقه إليه و يزيل ميله إلى العالم الدنيا الحسي أو شخص جسماني يوجب تكلمه أو رؤيته السقوط عن الروحانيات و الركون إلى الجسمانيات.

تنبيه:

اعلم أيدك الله بنوره؛ أن قول الإمام علي (ع): ( تحسب نفسك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.. وأنت أنت الكتاب المبين بأحرفه يظهر المضمر) يشير إلى الإنسان الكامل الذي هو محتوى جميع العوالم العلوية والسفلية ومن فيهن, وما أشرنا إليه من التجليات الملائكية والصورية وغيرها ما هي إلاّ ملكات ذلك الإنسان منه صدورها وإليه وردوها وبه وجودها..فانظر تعرف!!.

إن الأفعال مع كونها بأسرها مستهلكة في جنب فعله تعالى صادرة عن محالها, فالفعل ثابت للعبد لمباشرته إياه و صدوره منه و قيامه به, فلا جبر. و مسلوب عنه من حيث هو هو و من حيث وجوده في نفسه, إذ لو قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحق لكان معدوما و كذا فعله, إذ كل فعل متقوم بوجود فاعله, و على هذا فلا تفويض أيضا. و إلى هذا يشير قوله سبحانه: {و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} 1 حيث اسند الفعل إلى العبد و مع ذلك نفاه عنه و اسنده إلى الله, فان هذا إنما يصح إذا كان الفعل بالاعتبار الظاهري و في بادئ النظر صادرا عن العبد و بالاعتبار الواقعي و في دقيق النظر صادرا عنه سبحانه {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 2 .




[1] البحار ج 3 ص 55 رواية 27 .

[2] ) حقيقة الإنسان هي: (بدن مادي عنصري {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ}(الحج: من الآية5) ونفس {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}(النساء: من الآية1) وقلب {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(ق37) وعقل {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}العنكبوت43.. وربما جمعت ضمنيا جميع هذه المراتب في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}الحج46. ولكل مرتبة عالم بحسبها, ولكل مرحلة من مراحل=    = السير إلى الله وكل مقام ما يختص بها.. وتمام الكمال بتحصيل كمالاتها والسمو بها إلى أعلى مراتبها  الخاصة… ولتعلم بأن لكل من هذه المراتب تقسيمات ومراتب أيضا) أنظر (الإنسان الكامل ) ضمن موسوعتنا هذه.

[3]  نور ملكوت القرآن.. الشيخ محمد الحسيني الطهراني قدس سره.

2  الفتوحات المكية… ابن العربي.

3  كتاب (الشفاء) ..لابن سينا.

  [4] لأعراف: من الآية143

[5] ) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين لرجب البرسي ص:170/ بغية الطالب في معرفة علي بن أبي طالب ليونس رمضان ص: 408-410 ط. بيروت / لوامع النورانية للسيد هاشم البحراني.

[6]  كتاب (الذريعة) الشيخ آغا برزك الطهراني.

1  البقرة: 36 و 38…الأعراف: 24.

2  الإنسان الكامل لصيرورته العالم الأكبر فلا يكون الملك شيئاً خارجياً عنه, بل الكل من ملكاته…فافهم.

1  الأنفال: 17.

2   الصافات: 96.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر