العرفان ومبدأ (أحبك يا نافعي):
كتبهاالشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:29 ص
حب الذات هو الغريزة الوحيدة التي لا نعرف غريزة أعم منها وأقدم, فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعبها, بما فيها غريزة المعيشة. فإن حب الإنسان ذاته -الذي يعني بحبه للذة والسعادة لنفسه, وبغضه للألم والشقاء لذاته- هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته, وتوفير حاجاته الغذائية والمادية. ولذا أحيانا قد يضع الإنسان حداً لحياته بالانتحار إذا وجد أن تحمل ألم الموت أسهل عليه من تحمل الآلام التي تزخر بها الحياة.
فالواقع الطبيعي الحقيقي إذن, الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلها ويوجهها بإصبعه هو حب الذات الذي نعبر عنه بـ(حب اللذة وبغض الألم). ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمل (مختارا) مرارة الألم دون شيء من اللذة, إلاّ إذا سلبت منه إنسانيته وأعطي طبيعة جديدة لا تعشق اللذة ولا تكره الألم.
وحتى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع عن تاريخه.. تخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوة المحركة الرئيسية: (غريزة حب الذات). فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه, وقد يضحي في سبيل بعض المثل أو القيم.. ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن تضحيته وإيثاره.
وهكذا يمكن أن نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة, في مجالات الأنانية والإيثار على حدٍ سواء. ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة: مادية؛ كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادية.. أو معنوي؛ كالالتذاذ الخلقي والعاطفي, بقيم خلقية أو تأليف روحي أو عقيدة معينه, حين يجد الإنسان أن تلك القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزء من كيانه الخاص. وهذه الاستعدادات التي تهيئ الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص, وتتفاوت في مدى فعليتها, باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثر فيه.
فبينما نجد أن بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية, كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلا, نجد ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان, وتظل تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتحها. وغريزة حب الذات من وراء هذه الاستعدادات . فهي تدفع إنسانا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع, وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه. لأن استعداد الإنسان الأول للالتذاذ بالقيم الخلقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كامنا ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته. بينما يظفر الآخر بهذا اللون من التربية, فاصبح يلتذ بالقيم الخلقية والعاطفية ويضحي بسائر لذاته في سبيلها.
فمتى أردنا أن نغير من سلوك الإنسان شيئاً يجب أن نغير من مفهوم اللذة والمنفعة عنده, وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العام لغريزة حب الذات.
فإذا كانت غريزة حب الذات بهذه المكانة من دنيا الإنسان, وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادية محدودة, وكانت اللذة عبارة عما تهيئه المادة من متع ومسرات.. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأن مجال كسبه محدود, وأن شوطه قصير, وأن غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذة المادية. وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادية وهو (المال) الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كل أغراضه وشهواته.
هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادية للوصول إلى تحقيق هدف الإنسان في هذه الحياة..
إذن فالخطر على الإنسانية يكمن كله في تلك المفاهيم المادية وما ينبثق عنها من مقاييس للأهداف والأعمال, من دون تطوير جديد للذهنية الإنسانية التي من شأنها أن توصل إلى الكرامة الإنسانية 1.
فنحن أمام سبيلان لمعالجة هذه المشكلة ودفع الخطر الذي يهدد الوجود الإنساني, للوصول إلى وضع الخطى الأولى في طريق الإنسان الكامل الذي ننشده ونهدف إليه بغية تحقيق الغاية من الخلق:
أحدهما: أن يبدل الإنسان غير الإنسان, أو تُخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحي بمصالحه الخاصة ومكاسب حياته المادية المحدودة.. في سبيل المجتمع والمصلحة العامة.
والسبيل الآخر: هو أن يطور المفهوم المادي للإنسان عن الحياة, وبتطويره تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها, وتتحقق المعجزة حينئذ من أيسر الطرق.
والسبيل الأول لا يتم (مع إيمان الإنسان بأنه لا قيم إلاّ قيم تلك المصالح المادية, ولا مكاسب إلاّ مكاسب هذه الحياة المحدودة) إلاّ إذا انتزع من صميم طبيعة حب الذات المرتكزة فيه خلقة وتكوينا. وبيان ذلك يخرج بنا بعيدا عما نريد إثباته.
فالسبيل الثاني فهو الذي سلكه الإسلام, إيمانا منه بأن الحل الوحيد للمشكلة هو (تطوير المفهوم المادي للإنسان عن الحياة). فلم يبتدر إلى مبدأ (حب الذات والملكية الخاصة) ليبطله, وإنما غزا المفهوم المادي للحياة ووضع للحياة مفهوما جديدا, وأقام على أساس ذلك المفهوم نظاما يثبت للفرد كرامته المادية والمعنوية معاً, فالإسلام وضع يده على نقطة الداء الحقيقية في النظام الإنساني الفردي والاجتماعي فمحاها محواً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية.
فإذن, لا بدّ من معين آخر –غير المفاهيم المادية عن الكون- يستقي منه نظاما ينبثق عنه مفاهيم حقيقة للحياة, ويتبنى القضية الإنسانية الكبرى, ويسعى لتحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم, ويدرس مسائل العالم من هذه الزاوية, وفرز كل مفهوم للحياة لا يندمج ضمن تلك القاعدة الرئيسية.. فيتمكن من أن يدخل العالم في حياة جديدة مشرقة وعامرة.
قد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكرية النظرة الصحيحة للإنسان إلى حياته , فجعله يؤمن بأن حياته منبثقة من مبدأ مطلق الكمال, وأنها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء, ونصب له مقياساً خلقياً جديداً في كل خطواته وأدواره, وهو: (رضا الله تعالى). فليس كل ما تفرضه المصلحة الشخصية فهو جائز, وكل ما يؤدي إلى خسارة شخصية فهو محرم وغير مستساغ.. بل الهدف الذي رسمه الله تعالى للإنسان هو (رضا الله والقربى منه) . والمقياس الخلقي الذي توزن به جميع الأعمال إنما هو مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدس, والإنسان المستقيم هو الذي يحقق هذا الهدف, والشخصية الإسلامية الكاملة هي الشخصية التي سارت في شتى أشواطها على هدي هذا الهدف وضمن إطاره العام.
وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخلقية وموازينه وأغراضه يعني تغيير الطبيعة الإنسانية وإنشائها إنشاءً جديداً, فحب الذات –أي حب الإنسان لذاته وتحقيق مشتهياتها الخاصة- أمر طبيعي في الإنسان, ولا نعرف استقراء في ميدان تجريبي أوضح من استقراء الإنسانية في تاريخها الطويل, الذي يبرهن على ذاتية حب الذات. بل لو لم يكن حب الذات طبيعياً وذاتياً للإنسان لما اندفع الإنسان الأول إلى تحقيق حاجاته, ودفع الأخطار عن ذاته, والسعي وراء مشتهياته.. بالأساليب البدائية التي حفظ بها حياته وأبقى وجوده, وبالتالي خوض الحياة الاجتماعية والاندماج في علاقات مع الآخرين, تحقيقا لتلك الحاجات ودفعا لتلك الأخطار.
ولما كان حب الذات يحتل هذا الموضع من طبيعة الإنسان, فأي علاج للمشكلة الإنسانية الكبرى يجب أن يقوم على أساس الإيمان بهذه الحقيقة!! وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلب عليها, فهو علاج مثالي لا ميدان له في واقع الحياة العملية التي يعيشها الإنسان.
هنا يقوم الدين برسالته الكبرى التي لا يمكن أن يضطلع بأعبائها غيره, ولا أن تتحقق أهدافها البناءة وأغراضها الرشيدة إلاّ على أسسه وقواعده, فيربط بين المقياس الخلقي الذي يضعه الإنسان, وحب الذات المرتكز في فطرته.
وبتعبير آخر: إن الدين يوحد بين المقياس الفطري للعمل والحياة, وهو حب الذات, وبين المقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والحياة, ليضمن تحقق الغاية الإلهية.
إن المقياس الفطري يتطلب من الإنسان أن يقدم مصالحة الذاتية على مصالح المجتمع ومقومات التماسك فيه, والمقياس الذي ينبغي أن يحكم ويسود هو المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلها وتتوازن في مفاهيمه القيم الفردية والاجتماعية.. فكيف يتم التوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين لتعود الطبيعة الإنسانية في الفرد عاملاً من عوامل التكامل الجماعي العام, بعد أن كانت مثار المأساة التي تتفنن في الأنانية وأشكالها؟؟
إن التوفيق والتوحيد يحصل بعملية يضمنها الدين للبشرية التائهة, وتتخذ هذه العملية أسلوبين:
الأسلوب الأول: هو تركيز التفسير الواقعي للحياة, وإشاعة فهمها في لونها الصحيح كمقدمة تمهيدية إلى حياة أخروية, يكسب الإنسان فيها من السعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه, في سبيل تحصيل رضا الله تعالى. فالمقياس الخلقي –أو رضا الله تعالى- يضمن المصلحة الشخصية في نفس الوقت الذي يحقق فيه أهدافه الاجتماعية الكبرى. فالدين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة سعادة المجتمع والمصلحة العامة التي تحقق رضا الله تعالى, لأن ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي ما دام كل عمل ونشاط في هذا الميدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجلّه.
ولا يمكن أن يحصل هذا الأسلوب من التوفيق في ظل فهم مادي للحياة, فإن الفهم المادي للحياة يجعل الإنسان بطبيعته لا ينظر إلاّ إلى ميدانه الحاضر وحياته المحدودة, على عكس التفسير الواقعي للحياة الذي يقدمه الإسلام, فإنه يوسع من ميدان الإنسان ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه, ويجعل من الخسارة العاجلة ربحا حقيقياً ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف وفق هذه النظرة العميقة..
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت:46)
{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} (غافر: من الآية40)
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (الزلزلة:6-7-8)
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِي* وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ نَ} (التوبة: الآية 120-121)
هذه بعض الصور اللطيفة التي يقدمها الدين مثالاً على الأسلوب الأول الذي يتبعه للتوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين, فيربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة, ويطور الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأن مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للإنسانية –التي يحددها الإسلام- مترابطتان 1.
الأسلوب الثاني: التعهد بتربية أخلاقية خاصة تعني بتغذية الإنسان روحياً, وتنمية العواطف الإنسانية والمشاعر الخلقية فيه. فإن في طبيعة الإنسان –كما ألمعنا سابقا- طاقات واستعدادات لميول متنوعة, بعضها ميول مادية تتفتح شهواتها بصورة طبيعية, كشهوات الطعام والشراب والجنس, وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد؛ ولأجل ذلك كان من الطبيعي للإنسان –إذا ترك لنفسه- أن تسيطر عليه الميول المادية لأنها تتفتح بصورة طبيعية, وتظل الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة. والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من الله, فهو يوكل أمر تربية الإنسانية وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها. فتنشأ بسبب ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة, ويصبح الإنسان يحب القيم الخلقية والمثل التي يربيه الدين على احترامها ويستبسل في سبيلها, ويزيح عن طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه.. وليس معنى ذلك أن حب الذات يمحى من الطبيعة الإنسانية, بل أن العمل في سبيل تلك القيم والمثل تنفيذ كامل لإرادة حب الذات, من باب (أحبك يا نافعي) فإن القيم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبة للإنسان ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبراً عن لذة شخصية خاصة, فتفرض طبيعة حب الذات بذاتها السعي لأجل القيم الخلقية المحبوبة تحقيقاً للذة الخاصة بذلك.
فهذان هما الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط المسألة الخلقية بالمسألة الفردية, ويتلخص أحدهما في إعطاء التفسير الواقعي لحياة أبدية, لا لأجل أن يزهد الإنسان في هذه الحياة, ولا لأجل أن يخنع للظلم ويقرّ على غير العدل.. بل لأجل ضبط الإنسان بالمقياس الخلقي الصحيح الذي يمده ذلك التفسير لواقع الحياة بالضمان الكافي.
ويتلخص الآخر في التربية الخلقية التي تنشأ عنها في نفس الإنسان مختلف المشاعر والعواطف التي تضمن إجراء المقياس الخلقي بوحي من الذات. فالفهم المعنوي للحياة والتربية الخلقية للنفس هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الإنسانية.
فالفهم المعنوي للحياة والإحساس الخلقي بها هما الركيزتان اللتان يقوم على أساسهما المقياس الخلقي الجديد, الذي يضعه الإسلام للإنسانية وهو :رضا الله تعالى.. ورضا الله –هذا الذي يقيمه الإسلام مقياساً عاماً للحياة- هو الذي يقود السفينة البشرية إلى ساحل الحق والخير والعدالة.
وليس إقامة الإنسان على قاعدة ذلك الفهم المعنوي للحياة والإحساس الخلقي بها عملاً شاقا وعسيراً, فإن الأديان في تاريخ البشرية قد قامت بأداء رسالتها في هذا المضمار.. وقد حمل الدين الإسلامي المشعل المتفجر بالنور -بعد أن بلغ البشر درجة خاصة من الوعي والاتساع الذهني- فبشر بالقاعدة المعنوي والخلقية على أوسع نطاق وأبعد مدى, واستهدف إلى توحيد البشر كله, وجمعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم أسلوب الحياة ونظامها.
وللتوصل إلى المعرفة المعنوية للحياة لا بد للفرد من أن يعرف نفسه, لأن موارد المعرفة الحقة والتي تصل بالإنسان إلى المدارج العالية في الكمال الإنساني على نوعين؛ معرفة العالم, ومعرفة النفس, أو المعرفة الآفاقية, والمعرفة الأنفسية (كما يعبرون). وهذان النوعان من أنواع المعرفة دلَّ عليهما الحق سبحانه في كتابه الكريم بقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }1.
وليس المراد من معرفة النفس الإنسانية هو معرفة النفس الروتينية في دفتر النفوس، ولا البيولوجية التي لا يفترق فيها عن الحيوانات إلا باستقامة القامة، بل هي " الروح الإلهية" الذات التي تشعر بالشرف والكرامة، وتعتبر نفسها أسمى من أن تخضع للرذائل، وعندئذٍ يدرك الإنسان قدسيّتها، ويفهم للمقدّسات الأخلاقيّة والاجتماعية معنىً وقيمةً.
والنفس التي ينبغي على الإنسان التعرّف عليها ولا ينبغي الغفلة عنها هي تلك النفس التي نبّه الله تعالى في كتابه على عدم نسيانها:
{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 2.
ونحن هنا سنشير بصورة مقتضبة إلى أنواع معرفة النفس, وسنركز على المفهوم المعرفي الذي أشار إليه الحديث الشريف لمولى الموحدين عليه السلام بقول: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقوله: ( أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه) وأيضا وبعد كل هذا لابد من التعرف على معنى المعرفة التي ورد ذكرها في الحديثين الشريفين وكذا قد وردت في الآية القرآنية المباركة{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(1)حيث ورد في الأثر؛ أن الإمام الصادق عليه السلام قال عن ذكر هذه الآية : (أي ليعرفون).
1 . كتاب (تقرير المصير- الوجدان وكرامة الإنسان) للمؤلف.
1 . فلسفتنا ..الشهيد الصدر الأول.
1 . فصلت - من الآية:53
2 . الحشر- الآية: 19
(1) الذاريات: 56.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























